السبت، 28 أغسطس، 2010

رحلة سفر عبر الحياة


رحلة سفر عبر الحياة

جميعنا الآن نتأكد من أن الكل حاضر ، الكل جاهز ، الأمتعة كاملة . و ها قد جاءت اللحظة التي سوف استقل فيها تلك السيارة ، إنها لحظة ولادتي .
في بادئ الأمر لم أعتد على مقعدي و لكنني لم ألبث أن تعودت عليه و علمت أنه المكان الذي اختاره الله عز وجل لي لأبدأ به رحلتي و لأبدأ به سفري عبر حياتي .


الآن أرى العالم من نافذة صغيرة أطل من خلالها على الطريق و لكنني تساءلت هل يمكن للآخرين أن يرونني عبر تلك النافذة أيضاً ؟ هل أنا شفافة يستطيع العالم التعرف على شخصيتي و طباعي أم أنا قد وضعت حاجز ( فاميه ) بيني و بين المجتمع ؟ و أدركت أن وحده الذي يقف خارج سيارتي يمكنه أن يدرك ذلك ثم يخبرني فيما بعد .

هذا لا يهم الآن و لا داعي للعجلة ، فلدي الكثير لأتعلمه فالرحلة طويلة و قد تكون قصيرة من يدري ؟ ! ، و لكن المؤكد أنه لا أحد يعلم متى سأصل إلى النهاية .

أثناء رحلتي مررت بزحام خانق ، و لكنه أعطاني الكثير لأتعلمه . تعلمت أنه أثناء الزحام و مع كثرة الذين من حولنا لا نلتفت سوى لأنفسنا فقط . قد لا نلاحظ الآخرين أثناء الزحام و إن لاحظناهم فقد يصعب الاتصال بهم و إن اتصلنا بهم فالوقت قصير بيننا . في الزحام تقف السيارات و لكن عجلة الحياة مستمرة . و لو تمكنا من الاستفادة من الزحام لخرجنا بوقود فائض لتسيير سيارة حياتنا و لتعلمنا منه الكثير . و لكن من منًا لا يختنق في الزحام ؟! .


أمر بعد الزحام فإذا بي في الصحراء . و عندما نظرت إلى تلك الرمال الذهبية التي تتراقص مع حركة الرياح وجدت أنها تشبه أناساً مررت بهم كثيراً . لهم جمال و هيبة لا توصف . و لكنهم لا يجودون بما لديهم إلا إذا توفر لهم العطاء أولاَ ، كالنباتات الصحراوية لا تظهر إلا عند هطول المطر . و لكنهم الأكثر تحملا ً ، الأكثر تعرضاَ للحر و البرد . إنهم الشخصيات الصحراوية أكثر الشخصيات تناقضاً على الإطلاق .


و يعترض طريق الصحراء جبل ضخم ، و لكنني عندما دققت النظر لم يكن سوى أحجار صغيرة تجمعت معاً لتكوّن هذا الصرح الشامخ . هل يوجد مثل هذا الجبل في قلوبنا ؟ هل يمكن أن تتجمع الآهات و الآلام و الأحقاد و الضغائن الصغيرة لتصبح جبل هموم لا ينهدم بسهولة ؟ آثرت ألا يجيب أحد على هذا التساؤل .

و لكنني ابتسمت عندما و جدت شيئاً أكثر رقة ، أكثر بساطة و أكثر تعبيراً . كثبان رملية صغيرة متعرجة ملساء . تلاشت تلك الابتسامة عندما تذكرت أن الرمال التي تكوّن الكثبان الرملية أصغر من الأحجار التي تكوّن الجبال . و بالرغم من سهولة تلاشيها إلا انه لا يمكن التنبؤ بسلامة ما بداخلها ، فقد تختبئ الرمال المتحركة و الحشرات ذوات السموم فيها . و لكنني عاودت الابتسام عندما ابتسمت لي الرياح ، و مرت فوق كثيّب رملي صغير لأرى الرمال تطير هباءاً لا أدري إلى أين . تمنيت لو أن مثل تلك الرياح تمر على قلوبنا جميعاً لتطير معها صغائر الأحزان التي قد تعكر صفو رحلتنا .

خيّم سواد على المكان و نظرت فلم أر شيئاً حتى أدركت أنني داخل نفق محفور ببطن جبل . قد يبدو المكان موحشاً و مظلماَ و لكن عندما تمر داخل نفق جبلي فيالحياة تدرك انك وجدت السبيل لقلب شخصية غامضة . لا تعلم من حفر هذا النفق و لكنه بالتأكيد قد أثّر كثيراَ في تلك الشخصية المصمتة من الخارج ، القوية من الداخل و التي تعبر بك إلى طريق آخر .

خلال رحلتي لاحظت لافتة كتب عليها ( صل على محمد ) نعم عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم إنها لافتة تشبه أناس عندما يشتد بك الأمر و يلُم بك وعثاء السفر عبر حياتك تجدهم يلفتون نظرك إلى أكثر الأمور أهمية و هي ربك و دينك و نبيك . و أدركت أن وحده من يلتفت إلى تلك العلامات يمكنه أن يصل بأمان إلى نهاية الرحلة .

أيضاَ هناك لافتات مرور تنبهك إلى السرعة التي يجب ألا تتجاوزها في طريقك ، و إلى قواعد السلامة لكي تعبر رحلتك بأمان . إنهم أصدقاؤك الحقيقيون الذين يحرصون على راحتك و أمنك و هم دليل لك في سفرك عبر حياتك .

نمر كثيراً باستراحات على جانب طريق الحياة لا أقول تجاوزها جميعها ثم تنهك أثناء رحلتك ، و لا أقول توقف عند كل منها بحيث يصبح سفرك بالنسبة لغيرك من المسافرين مملاً . و لكن أقول لك عزيزي المسافر عبر الحياة توقف فقط عند حاجتك لذلك . فلا ينبغي أن تكون كثير الجديّة أو كثير الهزلية ، و ذلك لكي تستطيع مواصلة رحلتك بسعادة و لكن تذكر أن الاستراحة قد لا تكلفك شيئاً سوى الابتسامة .

قد تجد من يقف أمامك و يقول ( نقطة تفتيش ) لا تنزعج و لا تهلع . إنهم ناس نقابلهم كثيراً يبحثون داخلنا عن نقطة تقربهم منّا أو تبعدهم عنّا ، لكي يستطيعوا تحديد الموقف المأخوذ تجاهنا . و غالباً ما تكون نقطة التفتيش في اللقاء الأول و لكن ما إن يعتاد عليك الشخص حتى يتوقف عن البحث و التفتيش و يدعك تكشف أوراقك أمامه بنفسك ، لتكوّنا صداقة قوية فيما بعد ، أو تؤثرا الابتعاد .

قد نمر بجانب سيارات كثيرة مسرعة بحيث لا نلاحظ شكلها أو نوعها أو عدد المسافرين داخلها و قد نكون نحن المسرعون . و لكن من يهتم بأمر تلك السيارات الأخرى ؟ لكل منّا حياته يعيشها و سيارته يركبها . فلا تنخدع بالمظاهر و لا تغرك الفخامة . فلا أحد يعلم ما بداخل سيارتك إلا أنت و من اخترتهم ليركبوا معك .

( احذر مطب ) كلمة قد تقابلك في طريقك فإن كان مطباً طبيعياً فاعلم أنها عقبات الحياة التي أبى الله عز وجل إلا أن يواجهها كل مسافر ، و إن كان مطباً صناعياً فاعلم انه من صنع أحد لا يمكن الحكم على قصده . و لكن القاسم المشترك هنا هو أنه بالتروي و التأني قد تتجاوز المطبات في طريق حياتك و تكون معبراً لك بإذن الله إلى حال أفضل . أما بالسرعة و التهور فقد ينقلب المطب ليصبح مشكلة بحد ذاتها تنغص عليك طريقك و تكون سبباً في حادث مؤلم .و بالطبع بجانب كل مطب تجد لافتة تحذرك ، صديق يقف بجانبك خلال رحلتك فلا تتردد بالاستماع له .

( سيارة 7 راكب ) أجل إنها أكبر السيارات و لكن من قال ذلك لم يعلم بأن سيارتي كانت أكبر ، فقد اتسعت لناس كثر قابلتهم ، منهم من ألقى التحية وذهب ، و منهم من ركب ونزل ، و منهم من استمر معي في رحلتي حتى و إن كان سبقني إلى نهايتها . أما المقربون منّي فقد كانوا خارج سيارتي طوال الوقت . كانوا لافتات تنير طريقي على الدوام . و ما إن يرحلوا حتى يركبوا داخل سيارتي الواسعة .

فهل عرفتم ما هي سيارتي ؟
أجل سيارتي هي ذكرياتي أسافر بها عبر حياتي ، لا أشاهد مدى فخامتها من الخارج و لكن غيري يشاهدها ، يزينها عملي و يقودها عقلي ، لا أعلم متى ينفذ وقودها و لا أعلم متى تنتهي الرحلة ، و لا أعلم أين سأصل . فقط ما أعلمه أنني سأعاود مشاهدة رحلتي مصوّرة على شريط فيديو يجري أمام عينيّ . جميع الأماكن و المعالم و المواقف و الناس سأراهم مرة أخرى و لن أدرك ذلك حتى أغمض عيني و تقلع بي ( الطائرة ) .

4 قالوا رأيهم:

Ahmed Adel El-Feky يقول...

موضوع جميل .. جدا

Doha Adel يقول...

بجد موضوع رائع وتشبيهات مظبوطة .. رائع :)

Alice يقول...

موضوع جميل
فى كام حاجة خلتنى افكر فيها

A fugitive يقول...

a great one bgd..waiting more isA

إرسال تعليق

هنا مساحة للتعبير عن رأيك بحرية ..

ازاي أنا رافع راسك وانتي بتحني في راسي ازاي ؟!

ازاي أنا رافع راسك وانتي بتحني في راسي ازاي ؟!

بحبك يا بلادي

بحبك يا بلادي

جمعة النصر : )

جمعة النصر : )

كلنا ايد واحدة

كلنا ايد واحدة